الجزء الأول

كلمة مركز تراث سامراء في مؤتمر الإمام علي الهادي(عليه السلام) عبق النبوة وعماد السلم المجتمعي

بسم الله الرحمن الرحيم

 وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين، السلام على الإمامين الهمامين علي بن محمد الهاديA والإمام الحسن العسكريA، السلام على سامرّاء وعلى وليدها المبارك، الذي بشّرت به السماء قبل مولده، ومحقّق آمال الأنبياء والصلحاء وشهداء كربلاء، سامرّاء العسكريين التي أُريد لها أن تكون من المدن التي سادت ثم بادت، وأدار لها التأريخ ظهره، فلم تذكر في كتب التاريخ ومدوناته وموسوعات مؤرخيه ولمدة تزيد على سبعة قرون إلا شذرات هنا وهناك، يغلب عليها الأسى والأسف لحال تلك المدينة، حتى قال أهلها وساكنوها: (لولا الإمام الهاديA لكانت سامرّاء من البوادي)، ولست أدري هل هذا الإهمال لهذه المدينة العريقة كان من قبيل الصدفة؟

أم إنه أمر دبر بليل؛ لإسدال الستار على آخر فصل من فصول الإمامة، الذي كتبته يد السماء في سامرّاء؟ أم إنه القدر الإلهي، فلا بُدَّ أن تغيب سامرّاء بغيبة إمامها المنتظر؟ ولكن الذي يبعث الأمل ويجدّد العزيمة هو وعد الله الصادق وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، ووعد النبيF بأن الأرض لا بُدَّ أنْ تملأ قسطاً وعدلاً ببركة خليفته المولود في تلك المدينة.

ولقد ألقى الإمام الهادي وأهل بيتهB بظلالهم المباركة وشخصياتهم النبوية على مدينة سامرّاء، وجعلوها في مصافّ أعظم مدن الدنيا، وصارت محطّ أنظار العالم ومهوى أفئدة المؤمنين، ومنارة تقصد من شتى بقاع العالم، وبما أن دراسة حياة العظماء لا تنفك عن دراسة بيئتهم ومدنهم ومعاصريهم وأهم مميزات تلك المدن، فإن المدخل لدراسة حياة أئمة سامرّاء لا بُدّ أن يكون في التعرف على أهم مميزات تلك المدينة، وسألخص سريعاً جملةً من تلك المميزات لها:

إنها المدينة العراقية التي تشرّفت بولادة خاتم الأوصياء، كما أنها موطن ومستقر لثلاثة من أئمة الهدىB، ففيها عاش الإمام الهادي والإمام الحسن العسكريC الذي قضى فيها أغلب حياته المباركة، فقد وردها وهو ابن أربع سنين، وأيضاً ولد فيها الإمام الحجة ابن الحسن، وفيها عاش، وغاب، مضافاً إلى كوكبة من أهل بيتهمB، كالسيدة نرجسD، والسيدة حكيمةD بنت الإمام الجوادA، 

والسيدة أم الإمام الحسن العسكريC، وبقية أولاد الإمام الهادي ومنهم البقية الباقية التي سكنت سامرّاء حتى قال ابن جبير في رحلته: (لم يبق في سامرّاء إلا المشهد الشريف وجُلُّ أهله من الأشراف)،  وبسبب هذه المميزات ونسبتها إلى ثلاثة من أئمة الهدىB، ودفن الإمامين العسكريينC، وتشرفها بولادة الإمام المنتظر، حقَّ لها أنْ تفخر على مدن عريقة ومقدّسة لها موقعها في عالم المجد، كمدينة مشهد والكاظمية المقدّستين. 

ومن مميزات سامرّاء أنها حظيت بمحبة أهل البيتB، فقد روى أحمد بن عيسى أنه قال: إن الإمام قال له: يا أبا موسى: أُخرجت إلى سرّ من رأى كرهاً، ولو أُخرجت عنها أُخرجت كرهاً. قال: قلتُ فلم يا سيدي؟ قال: لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها.

وورد أيضاً عن الإمام الحجة ابن الحسن ـ كما في الكافي الشريف ـ أنه خرج من الدار قبل الحادث بعشرة أيام وهو يقول: اللهم إنك تعلم إنها من أحبّ البقاع لولا الطرد.

ما يزيد في فخر هذه المدينة أنها أمان لأهل الجانبين، وذلك ببركة قبورهم الشريفة، فقد ورد عن الإمام أبي محمد الحسن العسكريC أنه قال لأبي هاشم الجعفري:

 قبري بسرّ من رأى أمان لأهل الجانبين، وفي رواية المناقب أمان لأهل الخافقين.

وقد أكدت التجارب ذلك بشكل واضح، فهذه العصابات الإرهابية قد عاثت فساداً ودماراً في الموصل والرمادي وبيجي وتكريت وغيرها من مدن العراق بينما بقيت سامرّاء تنعم بالأمن والأمان، ولم تدخل في دوّامة الإرهاب الأسود وفتنته، على الرغم من أنه شمل معظم مدن صلاح الدين.

إنَّ سامرّاء كانت سبباً رئيساً من أسباب النصر على داعش؛ فإنه بعد الفتوى المباركة للمرجعية العليا، كانت سامرّاء خطّ الصدّ الأول، فإليها وفدت المجاميع المؤمنة، ومنها كان المنطلق لتحرير بقيّة المدن المغتصبة، ولاتزال إلى هذه اللحظة محطة تزود روحي ومعنوي ومادي للمجاهدين.

إنّ هوية التشيع والولاء في زمن الغيبة رُسمت معالمها الرئيسة في سامرّاء على يد الإمامين العسكريينC، فمدة مكوث الإمامين في سامرّاء زادت على ربع قرن قاما خلالها بدورهما في تمهيد الأمر لزمن الغيبة، وتربية الأصحاب والموالين على الاستعداد لهذه المحنة الطويلة، وتزويدهم بكل ما يحتاجون إليه من معارف، وتفعيل دور الوكلاء والنوّاب والسفراء. وكان لأصحاب الإمامين العسكريينC دور بارز في نشر المعارف والعلوم الإسلامية.

لقد أبهرت سامرّاء الملأ العلمي بأسره بحوزتها المباركة التي أسسها السيد المجدّد محمد حسن الشيرازيH1291هـ، وساهمت تلك الحوزة بإغناء جميع الحوزات العلمية في الملأ الشيعي؛ فأساطين الفقه والأصول في النجف الأشرف ورواد الحركة العلمية والعصر الذهبي لحوزة النجف كانت ببركة سامرّاء وحوزتها المبدعة، بدءاً من السيد محمد الفشاركي الأصفهاني والسيد محمد كاظم اليزدي وصاحب الكفاية الآخوند الخراساني، والآغا رضا الهمداني صاحب «مصباح الفقيه» الذي دفن عند رجلي الإمام الهاديA، ومروراً بالعلّامة النائينيH ـ أستاذ السيد الخوئيH ـ، والشيخ محمد حسين الأصفهاني، والسيد عبد الهادي الشيرازي، وانتهاءً بالشيخ محمد جواد البلاغيH الذي قضى حوالي عشر سنوات في سامرّاء، وألّف بعض كتبه هناك، هذا فضلاً عن العلّامة النوريH الذي ألّف موسوعته الشهيرة مستدرك الوسائل في سامرّاء، وكتب الشيخ آقا بزرك الطهراني كتابه الشهير «الذريعة»، و«الطبقات» فيها. 

وأما حوزة كربلاء فإنَّ فخرها وعماد عزّها هو المرجع الديني الكبير الشيخ محمد تقي الشيرازيH قائد ثورة العشرين، وقد قضى أكثر من أربعين سنة في سامرّاء، تمتد من سنة 1292 ـ 1335هـ.

وأما مدينة الكاظمية فإنّ من أبرز أسماء علمائها هم: السيد إسماعيل الصدر، والسيد حسن صدر الدين الكاظمي صاحب «تكملة أمل الآمل»، والسيد هبة الدين الشهرستاني، كل هؤلاء ممن درسوا وعاشوا في سامرّاء. 

ولقد امتدت بركات العسكريينC لتشمل مدينة قم المقدّسة؛ فإن مؤسس حوزة قم هو الشيخ عبد الكريم الحائريH، الذي قضى في سامرّاء حوالي عشرين سنة مستفيداً من السيد المجدّد الشيرازيH. وأعيان تلامذته كالسيد الفشاركي وغيره.

وفي لبنان، فإنَّ السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي، صاحب كتاب «النص والاجتهاد» و«المراجعات»، ممن درس وتتلمذ في سامرّاء، وأما الشيخ محمد جواد مغنيه الكاتب الشهير فقد كتب آخر ملزمة من تفسير «الكاشف» في مدرسة السيد المجدّد بسامرّاء. 

هذا بعض ما يسعه المقام لخصوص هذه الفترة، وأما إذا وسعنا الدائرة الزمنية، فإنَّ الشيخ المفيدH يعتبر من أهل سامرّاء أيضاً نسبة إلى «تل عكبرا»، وهو تل في مدينة «عكبرا» التابعة لسامرّاء، وغيره من الأعلام ينتمون إلى تلك المدينة المباركة، حتى أن الرجالي الشهير النجاشي قد دفن في مطيراباد من أطراف سامراء ولعله كان مهاجراً إلى سامراء ومات هناك. وبعد هذا العرض الموجز أليس من حقنا أن نقول: إنَّ كل ما لدينا من سامرّاء؟ وأنا كلي أمل أننا وضعنا كل ما لدينا في الأيادي الأمينة من حملة الأقلام الشريفة والضمائر الحية ليقفوا مع سامرّاء العسكريينC موقفاً مشرفاً.



تنويه:

إن بحوث المؤتمر التي جمعت على ثلاثة أجزاء والتي بلغت أربعاً وأربعين بحثاً تعبّر عن رأي أصحابها، وقد جمعت بعنوان (وقائع المؤتمر العلمي الأول (الإمام الهاديA عَبَقُ النُبوةِ وعِمادُ السِّلمِ المُجتَمَعِي) تعميماً للفائدة.